musique

الاثنين، 16 يوليو 2018

الفصل السابع والخمسون (57): في المجاز



فقه اللغة وأسرار العربية
***القسم الثاني: سر العربية في مجاري كلام العرب وسننها، والاستشهاد بالقرآن على أكثرها(تابع)
الدرس الثامن والعشرون (28)
الفصل السابع والخمسون (57): في المجاز
- قال الجاحظ:
للعرب إقدام على الكلام، ثقة بفهم المخاطب من أصحابهم عنهم، كما جوَّزوا قوله: أكلَه الأسْوَدُ،وإنَّما يذهبون إلى النَّهْشِ واللذع والعضِّ، وأُكِلَ المال، وإنَّما يذهبون إلى الإفناء، كما قال الله عزَّ وجلّ: {إنَّ الذينَ يَأكلونَ أمْوال اليَتامى ظُلْماً إنَّما يأكُلونَ في بُطونِهِمْ ناراً وسَيَصْلَونَ سَعيراً}،
ولعلَّهم شربوا بتلك الأموال الأنبذة، ولبسوا الحُلل، وركبوا الهماليج، ولم ينفقوا منها درهما في سبيل الله، إنما أُكِلَ.
وجَوَّزوا: أكَلَتْهُ النَّار، وإنَّما أُبطلتْ عينَه.
وجوَّزوا أيضاً أن يقولوا: "ذُقتُ"، لما ليس يُطعم، وهو قول الرجل إذا بالغ في عقوبة عبده: ذُق، وكيف ذقتَه؟ أي وجدتَ طعمَه. قال الله عزّ وجلّ: {ذُقْ إنَّكَ أنتَ العَزيزُ الكَريمُ} وقال عزَّ من قائل: {فأذاقها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوفِ بِما كانوا يَصْنَعون} وقال تعالى: {فَذَاقوا وَبالَ أمْرِهِمْ}. ثم قالوا: طَعِمتُ، لغير الطعام، كما قال العرجيُّ [من الطويل]:
فإن شئتُ حَرَّمْتُ النساء سِواكُمُ *** وإن شِئتُ لم أطْعَم نُقاخاً ولا بَرْدا.
ــ النقاخ معناه: الماء البارد
ـ البَرْد معناه: الرّيق
قال الله تعالى: {فمَن شَرِبَ مِنه فَليسَ منِّي ومن لمْ يَطْعَمهُ فإنَّهُ منِّي} يريد: ومن لم يذق طعمه. ولمّا قال خالد بن عبد الله في هزيمة له: أطْعِموني ماء، قال الشاعر [من البسيط]:
بَلَّ السَّراويلَ مِنْ خَوفٍ ومِنْ دَهَشٍ *** واستَطْعَمَ الماء لما جَدَّ في الهَرَبِ.
فبلغ ذلك الحجاج، فقال: ما أيسر ما تَعَلَّق فيه يا ابن أخي، أليس الله تعالى يقول: (فَمَن شَرِب منه فليس منِّي ومن لم يَطعَمهُ فإنَّهُ منِّي)
قال الجاحظ: في قوله تعالى: {إنَّ الله لا يَسْتَحْيي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعوضَةً فما فوقَها} يريد فما دونها، وهو كقول القائل: فلان أسفل الناس، فتقول: وفوق ذلك، تضع قولك (فوق) مكان قولهم: هو شرٌ من ذلك. وقال الفَرَّاء: فما فوقها في الصِّغَر، والله أعلم.
قال المُبرّد: من الآيات التي ربما يَغْلَط في مجازها النحويون قول الله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلِيَصُمْهُ} والشهر لا يغيب عن أحد. ومجاز الآية: فمن كان منكم شاهد بلدة في الشهرَ فليصمه، والتقدير: فمن كان شاهدا في شهر رمضان فليصمه، ونصب (الشهرَ) للظرف، لا نصب المفعول.
فقه اللغة وأسرار العربية
أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي ت430ه
إعداد وتقديم محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق